• ×

12:01 صباحًا , الأربعاء 21 ذو القعدة 1440 / 24 يوليو 2019

التاريخ منذ 3 أسبوع 11:31 مساءً
تعليقات 0 إهداءات 0 زيارات 84
التقنية بين تحفيز التفكير وتعطيله
إن اختراع الحاسب الآلي هو أعظمُ اختراعٍ أنتجتْه عقولُ البشر؛ فبواسطته استطاع الإنسان أن يتجاوز الحدود في عصر ما قبل الحاسب، فإجراء ملايين العمليات المعقدة في تسيير الأنظمة الإلكترونية :كالملاحة، الاتصالات، الأسواق المالية و المستشفيات، تتم في ثوانٍ معدودة، وبدقة تصل نسبةُ الخطأ فيها إلى صفر بالمائة ، فمهمته القيام ببعض المهام بدلاً من الإنسان، فقد كان الحاسب ومكوناته محاكاةً لطبيعة الإنسان – مع فارق التشبيه –، وعلى الرغم من قدرة الحاسب على الحفظ والاسترجاع فإنه يبقى آلة (غير ذكية): أي أنه غير قادر على محاكاة العقل البشري في الاصالة والمرونة والطلاقة بالتفكير الابتكاري ونحوه من مهارات التفكير العليا، فما يقدمه الحاسب ما هو إلا أوامر أدخلها الإنسان مسبقاً، وعلى الرغم أن هناك محاولات حثيثة نحو ما يُسمى الذكاء الاصطناعي (Artificial intelligence)، فإن المتخصصين في علومه لم يستطيعوا حل المعضلات الثلاث : ( الطاقة، التعلم، الأعصاب)، فالآلة تنتهي بمجرد فصل الطاقة عنها، والآلة لم تستطع أن تتعلم دون تغذيتها بالأوامر المسبقة وغير قادرة على توليد الأفكار، والآلة لا تمتلك المرونة كما هي بالأعصاب البشرية المتوزعة بين جسم الإنسان في ضخامة أعدادها ومرونتها وسرعة نقل البيانات بواسطتها من وإلى الدماغ، قال الله تعالي في سورة الإسراء " وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا " (85).

وقد كان الفيلسوف سقراط قبل أربعة قرون من الميلاد، قلقاً من أن تدمر الكتابة براعتنا العقلية، حتى أتت القرون التي أقرّت بأن القلم والكتاب هما أهم أداتان للتفكير، فإذا كانت التقنية في عصرنا الحالي تبدو دخيلة على التفكير من منطق سقراط؛ فكيف لنا ألَّا نقلق منها على عقول أبنائنا.

وفي هذا المقالة محاولة لاستقصاء أَثر التقنية بشقيها: الإيجابي والسلبي، وتوضيح لأثرها على تنمية التفكير وتعطيله لدى الإنسان، فمن الأمور المسلَّم بها عند العلماء، والمثْبَت تأكيدها بالتجرِبة أن قدرات العقل البشري تزداد وتنمو بالمران والتفعيل؛ ومن هذا المبدأ يتضح أنه ما دام الإنسان يعتمد على هذه الآلة الإلكترونيّة ويوكِل إليها الأعمال الذهنية بديلًا عن عقله البشري ، فإن ذلك سيؤدي إلى نتائج سلبية، فعلى سبيل المثال لا الحصر: نجد أن هناك الكثير من الأمور التي يتكرر حدوثها في حياتنا اليومية لا تحتاج الى وقت أو جهدٍ لإنجازها بالعقل البشري ومع ذلك اعتدنا أن نلجأ إلى العقل الإلكتروني مثل: استخدام الآلة الحاسبة للتعامل مع أرقام بسيطة، واستخدام خرائط الملاحة GPS، ... إلخ )، إننا بذلك نعطل مهاراتنا العقلية من حيث لا نشعر، فالتفكير ما لا يمكن حصره من الفوائد منها: اتساع المدارك، وتمرين الدماغ، وزيادة الثقة بالنفس، وغيرها، كما تمثل التكنولوجيا تشتيتًا للانتباه؛ فالدماغ غير مبرمج بالفعل على التفاعل بشكل فعال مع تقنيات الشاشة، لأنها في الأصل ليست من أدوات التفكير الطبيعية للإنسان، وإدخالها داخل المدرسة قد يكون له جوانب سلبية على التفكير؛ فالعقل البشري لم يُبرمج على هضم هذه الأدوات، وغير مبرمج للتفاعل معها بشكل فعّال، وتبين دراسة (Brown,2019) أنه هناك علاقة عكسية بين وقت مشاهدة الشاشات (الجوال، الآيباد والتلفاز) والقدرات الذهنية والنمو العقلي لدى الأطفال في عمر أقل من خمس سنوات ، فكلما زاد وقت المشاهدة قلّت القدرات العقلية.

تشير أحدث الإحصائيات للهيئة العامة للإحصاء في عام 2018 أن نسبة الشباب في المملكة العربية السعودية تبلغ نسبة 39% من السكان الذين تقل أعمارهم عن 24 سنة، وتبين الدراسات التجريبية أن علاقة هذه الفئة العمرية بالتقنية هي أكثر من غيرها: ففي دراسة أجراها المركز الوطني لاستطلاعات الرأي تبيَّن أن 91% من الأسر السعودية يستخدم أطفالهم الأجهزة الذكية والألعاب الإلكترونية، وأن 43% منهم أعمارهم أقل من 5 سنوات، وكان نصيب الاستخدام الأكبر من التطبيقات هو للتطبيقات الترفيهية بنسبة 79%.

كلُّ ذلك يعطي مؤشراً على ضرورة الانتباه إلى توجيه التقنية للاتجاه الصحيح في استخدامها أو توظيفها بكافة الجوانب، بما فيها تنمية مهارات التفكير. وفي إطار المنهج المدرسي يمكن توجيه التقنية نحو تنمية التفكير بدلاً من تعطيله بإتاحة الفرصة للطالب لصناعة لعبته الخاصة، وعدم الاكتفاء بدوره كمستهلك لهذه الألعاب، وبذلك تتاح له مساحة من الحركة لتنمية التفكير الإبداعي؛ وذلك ما توصي به جمعية معلمي علوم الحاسب الأمريكية؛ إذْ توصي بأن نبدأ بتعليم البرمجة لأطفال ما قبل المرحلة الابتدائية حتى نهاية المرحلة الثانوية، خصوصاً مع ظهور لغات البرمجة المرئية التعليمية القائمة على السحب والإفلات، مثل Scratch و Alice و Blockly و Kodu من أجل توليد التعليمات البرمجية، لتحرر الطالب من عناء الخوض في المصطلحات والأوامر البرمجية، وتحرره من قواعد لغات البرمجة الدقيقة، بأن تتركه يباشر تنفيذ المهام و إنجاز التحديات باستخدام المنطق السليم، وهكذا يتمكن الطالب من تنمية واكتساب مهارات التفكير للقرن الحادي والعشرين، وذلك هو صلب الرؤية الإستراتيجية للمملكة العربية السعودية 2030 نحو بناء جيل مبتكر ومنتج.

وفي ختام هذا المقالة نؤكد أن للتقنية فوائد جمة، تجعلنا نسعى لابتكار أدواتها واستخدامها وتوظيفها في حل الكثير من المشكلات، وهذا من شأنه أن يُحدث نقلة كبيرة ونهضة شاملة تعتمد على مسار التفكير البشري، فطريقة التفكير قبل عصر الحاسب ليست كما هي بعده؛ وعلى الرغم من ذلك يجب أن يكون ذلك بالتوازن: بأن نعطي العقل مساحة كافية لجعله نشطاً يمارس التمارين الخاصة التي من شأنها أن تؤدي إلى النضوج الفكري،، خصوصاً للأطفال والشباب، ويكمن ذلك في عدم الاعتماد الكلي على الوسائل التقنية في كافة الأمور، وعلى الجانب الآخر ليس من المنطقي أن نعزلهم عن إنجازات التقنية الحديثة، خصوصًا وأن هذه التقنية هي الشيء الأكيد الذي سيتعامل مع الطفل في كل مجريات حياته عندما يصير شابًا يافعًا، وإنما يكون التعامل مع تلك التقنية من خلال ضوابط منها ما يلي: ( التقنين في اوقات المتابعة والاستخدام، زرع الثقة الذاتية للطفل المتعاطي للتقنية، عدم ترك الاطفال وحدهم أمام الأجهزة التقنية والألعاب الإلكترونية).



إعداد: عبدالرحمن بن علي بن حمد آل عثمان










المراجع:

Susan, Greenfield.(2013). How Digital Technologies are leaving their Mark on our brains.

Brown, Troy.(2019) . Increased Screen Time Delays Development In Young Kids. University of Calgary, Alberta, Canada, and colleagues was published online January 28 in JAMA Pediatrics.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.
التصميم بواسطة عبدالرحمن العثمان